بدعوة كريمة من الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي وبتشريف من فضيلة الشيخ الدكتور ناصر بن سليمان العمر وسعادة الشيخ عبد الرحمن بن علي الجريسي، افتتح في يوم الأحد ليلة الأول من رمضان، عام 1429هـ، جامع الفرسان الواقع في حي ضاحية لبن بمدينة الرياض.
وقد ألقى فضيلة الشيخ الدكتور ناصر العمر كلمة ضافية بمناسبة افتتاح الجامع الذي جاء تجسيدًا للعمل التعاوني المثمر البناء، انبثقت فكرته في جلسة عزاء؛ فتلقفها الفضلاء، بالقبول برًا ووفاء.
إنها مسيرة من العمل الدؤوب استمرت لأكثر من عامين، مرت خلالها الفكرة بأطوار شتى؛ لتخرج في نهاية المطاف على هيئة جامع متكامل الأركان، قوي البنيان.
إنهم فتيةٌ مِن فرسان قفز الحواجز تاقت نفوسهم لخوض غمار العمل التعاوني الخيري؛ فكان هذا المشروع باباً لهم ليلجوا من خلاله إلى رحاب البر والإحسان.
إنها بادرة خير بإذن الله، وسابقة طيبة في ميدان العمل التعاوني، وإنها سنة حسنة يسنها لنا هؤلاء الفتيان، ولمزيد بيان حول أهم محطات المشروع يسرنا أن نلتقي بالمشرف العام على المشروع الفارس الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي الذي طلبنا منه أن يحدثنا عن فكرة المشروع فقال:
قبل أن أشرح فكرة المشروع أود أن ألفت الانتباه إلى أهمية العمل التعاوني الذي حثنا عليه ربنا في قوله جل وعلا: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، فكل عملِ برٍّ، مهما كان وأينما كان؛ مطلوبٌ منا - نحن المسلمين - أن نتعاون عليه، وحقيقة إذا نظرت إلى مستوى العمل التعاوني في بلدنا الحبيب أجده متأخراً جدًا مقارنة ببعض المجتمعات الأخرى القريبة منا، فنحن لدينا جمعيات خيرية لكنها تعتمد على المحسنين من رجال الأعمال، ومع ذلك فنحن بحاجة إلى المزيد من تلك الجمعيات، كما أننا بحاجة إلى تكريس مفهوم العمل التعاوني بين كافة شرائح المجتمع والعمل على إقامة المزيد من الجمعيات التعاونية بين أبناء الحي الواحد وبين منسوبي المهنة الواحدة كالأطباء والمهندسين والمهنيين ونحو ذلك من الشرائح المختلفة.
أما فكرة مشروع جامع الفرسان فقد انبثقت في مجلس عزاء أخينا العميد سعود المغيصيب – مدير مركز تدريب الأمن العام للفروسية – الذي توفي في 27/11/1426هـ إثر حادث أليم، وكان رحمه الله يحظى بمحبة الكثير من الزملاء والفرسان فاقترحت عليهم أن نتصدق عنه وعن أنفسنا أيضًا بصدقة جارية؛ تنفع المساهمين فيها، وتنفع الفقيد في آخرته، فكانت فكرة بناء مسجد، يكون صدقة من فرسان قفز الحواجز عن أخيهم سعود؛ يصله أجرها وينوب إليهم ثواب ذلك بإذن الله تعالى.
علمنا أن المشروع مر بأطوار مختلفة.. هلا حدثتنا عن ذلك.
نعم، وكما قلت لك بأنّ الفكرة كانت في مجلس عزاء، واتفقنا على أنْ تكون مسجدًا، وما إنْ أُعلن عن المشروع حتى بادر عدد من الفرسان، بالإضافةِ إلى أقرباء العميد وأصدقائه، بالتبرع للمشروع، رغبة في كسب الأجر، وبِرًّا بأخيهم سعود - رحمه الله - وإكرامًا لما عُرف عنه من حب الخير، وقد تم جمع مبلغ ستمائة ألف ريال في خلال أسبوع.
بعدها بدأنا البحث عن أرض لنقيم عليها المشروع، وبعد بحث كبير وجدنا الأرض وكانت كبيرة والحمد لله، حيث بلغت مساحتها (2218متراً مربعاً)، فطوَّرنا الفكرة من مسجد إلى جامع، ووجَّهنا إلى الإخوة المتبرعين نعلمهم أن المسجد أصبح جامعًا، وأن المبلغ الذي تم جمعه لا يكفي، فما كان منهم - جزاهم الله خيرًا - إلا أن زادوا في تبرعاتهم.
بعد ذلك أضفنا إلى المشروع سكن الإمام والمؤذن وطرحناه للدراسة من قبل مكاتب هندسية متخصصة؛ فكانت الكلفة الفعلية لتنفيذ المشروع مليونين وأربعمائة ألف ريال، ثم أضفنا بعد ذلك ميزانين ليكون مصلًّى للنساء؛ فارتفعت التكلفة لتصل إلى ثلاثة ملايين ريال.
عند ذلك رأينا ضرورة توسيع دائرة المساهمين لنتمكن من تأمين المبلغ، حادينا في ذلك أن المشروع من مشاريع البر التي يتسابق الناس إلى المساهمة فيها.
جميل، ولكن كيف كانت استجابة الناس للمساهمة فيه؟
نحن استهدفنا شريحة محددة من الناس، ألا وهم رجال الأعمال، فخاطبنا الكثيرين منهم للإسهام في المشروع وكانت هناك استجابات طيبة جدًّا ولكنها من عدد محدود جدًّا جدًّا لا يتجاوز 1% من مجموع من خاطبناهم في هذا الشأن، وهذا للأسف يدل دلالة واضحة على غياب مفهوم العمل التعاوني، وإلا لما تأخر أحد في المساهمة في هذا المشروع ولو بأقل القليل، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اتقوا النارَ ولو بشِقِّ تمرة".
كان بإمكاننا أن نقيم المشروع وأن نستأثر بأجره، ولكننا أردنا أن نكرّس مفهوم العمل التعاوني الخيري بيننا، هذا المفهوم المفقود في مجتمعنا، ففتحنا المساهمة فيه لكل أحد وبأي مبلغ، كان فجاءنا من ساهم بمئات الآلاف من الريالات وهناك من ساهم بأقل من مائة ريال.
هل حققتم أهدافكم من هذا المشروع؟
حقيقة.. أهدافنا في هذا المشروع على قسمين: خاص وعام؛ فمن أهم أهدافنا الخاصة وأعظمها: ابتغاء الأجر الذي وعد الله به من بنى له مسجداً أو أسهم فيه، وأيضاً البر بأخ عزيز على قلوبنا والقيام بما توجبه المحبة له، وتفعيل جانب العمل التعاوني فيما بيننا كمجموعة من فرسان قفز الحواجز، وإيقاد روح الأخوّة والمحبة فيما بيننا والبذل في سبيل ذلك، وكذلك سد الحاجة القائمة إلى وجود جامع متكامل ليكون منبرا للعمل الخيري المتنوع في المنطقة التي تم تأسيسه فيها. وهذه الأهداف تمت - والحمد لله - بشكلٍ جيدٍ ومُرضٍ.
أمّا أهدافنا العامة فتتمثل في إحياء وتكريس فكرة العمل التعاوني الخيري في مجتمعنا، وتحقيق القدوة للتجمعات الشبابية المختلفة باستثمار تجمعاتهم بما فيه الخير في الدنيا والآخرة، وهذه أهداف لا يمكن تحقيقها بالكلية من قبل فرد أو أفراد، بل لابد أن تتضافر جهود المجتمع بكافة مؤسساته الرسمية والمدنية لتكريس هذا المفهوم والعمل على بلورته وتأطيره.
ما أهم التحديات التي واجهتكم في تنفيذ المشروع؟
هناك أمران يمكن أن أعدّهما تحدّياً في هذا المشروع:
الأول: جمع تكلفة المشروع عن طريق التبرعات، وهذا أمر كما سبق أن ذكرت لم يكن يسيراً وقد أفصح لي عن غياب مفهوم العمل التعاوني في المجتمع.
التحدي الآخر كان في الرغبة في افتتاح الجامع مع إطلالة شهر رمضان هذا العام، وقد كان لنا ذلك بحمد الله، وقد دعونا كل من ساهم في المشروع بأي مساهمة كانت، دعوناهم جميعا لحضور الافتتاح الذي كان بتشريف فضيلة الشيخ الدكتور ناصر العمر، الذي ألقى كلمة ضافية بهذه المناسبة.
شكرا لكم دكتور خالد.. وقبل أن نودعكم نرغب منكم في كلمة أخيرة.
لا يسعني في الختام إلا أن أشكر الله عز وجل وأحمده على ما منَّ به علينا من إتمام هذا المشروع المبارك بإذن الله. كما أوجه الأنظار إلى أهمية التأطير والتنظير للعمل الجماعي بين أفراد المجتمع بشرائحه المختلفة؛ ففي هذا منافع كبيرة، وفوائد جمة، ولعل المهتمين من الباحثين يتحفوننا بالدراسات العلمية الرصينة حول العمل التعاوني، وتعداد محاسنه، وبيان منافعه التي تعود على أفراد المجتمع.
|